للفقير إليه تعالى دوام معلم بن قنادي السرانجي الرمبانجي
البحيث في مصطلح الحديث
للفقير إليه تعالى دوام معلم بن قنادي السرانجي الرمبانجي
السنة الشريفة
السنة لغة السيرة والطريقة والْحديث والشريعة ، ومنه قوله تعالى : سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً . [الإسراء : ٧٧]. واصطلاحا كل ما أضيف إلى النبِيّ صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير . وقيل : أن السنة أخص من الْحديث، لأن حد السنة كل ما سنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير لتشريع الأحكام، والْحديث أوسع من ذلك مثل ذكر أوصافه صلى الله عليه وسلم والتواريخ وغير ذلك. وقيل : أن الْحديث يشمل الأثر وهو ما يُروى عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم . وقال الْجمهور : أن السنة والْحديث والْخبر والأثر ألفاظ مترادفة لِمعنًى واحد، لأن الأثر يسمّونه بالْحديث الموقوف أو المقطوع .
واعلم رحِمك الله، أن الْمسلمين من السلف والْخلف قد إتفقوا على أن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أصل من أصول الدين، وركن عظيم من أركان الدين، وقبوله ثَمرة من ثَمرات قبول الدين . وهي الأصل الثانِي للتشريع الإسلامي .
إياكم والْمبتدع أيها المسلمون، لأنّي قد وجدت أهل البدع مِمّن أنكر حجية الْحديث للتشريع الإسلامي ، وجادلتهم مدة طويلة، وهم لا يصلون كما نصلي، لأنّهم ردوا الأحاديث التي ذكرت فيها كيفية إقامة الصلوات الْخمس، وهم قائلون : إن الأحاديث غير القرآن وهي باطلة ومردودة ، لأنّ الْحديث منبع الفتن في المسلمين ، وسبب من أسباب الإختلاف والنّزاع والتفرّق بينهم ، فلذلك يَجب على كل مسلم أن يترك الأحاديث النبوية ويعمل بالقرآن فقط، لأن الْحديث هو القرآن ، والقران أحسن الْحديث، وهم استدلوا بقوله تعالى : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ . [الزمر : ٢٣] . فقالوا : إن الْحديث هو القرآن ، لأن القرآن تبيانا لكل شيء كما قال تعالى : وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ . [النحل ؛ ٨٩] . وقال تعالى : مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ . [الأنعام : ٣٨]. وقالوا : إن القرآن غير مُجمل بل هو مفصل ومُحكم ، فمن قال أن القرآن مُجمل فهو يُخالف قوله تعالى : الر، كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيْرٍ . [هود : ١] . واستدلوا أيضا بقوله تعالى : وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى [النجم : ٣-٤] فقالوا : كل ما نطق النبِيّ صلى الله عليه وسلم وحي، وهو القرآن . وقالوا : إن الله تعالى لَم يأمرنا أن نعمل بالأحاديث النبوية لتشريع الأحكام الإسلامية ، لأن الله تعالى لَم يذكر شيئا منها لذلك في القرآن الكريم .
فأجبت : إعلم رحِمك الله، أن الله تعالى لَم يبعث رسوله صلى الله عليه وسلم ليبلّغ القرآن فقط بغير أسوة ولا قدوة عن كيفية العمل بالقرآن ، وهو مُحال في حق الرسول ، ولذلك قال الله تعالى لأزواج النبِي صلى الله عليه وسلم : وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيْرًا . [الأحزاب : ٣٤]. أي واذكرن يا نساء النبِي ما يتلى في بيوتكن من آيات الله، وآيات الله هي القرآن الكريم، ومن الْحكمة ، وهي حكمة الرسول صلى الله عليه وسلم من أقواله وأفعاله وتقريراته عن كيفية العمل بالقرآن، إن الله كان لطيفا خبيْرا . والْحكمة هنا لا يُمكن أن يكون بِمعنى غير سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم . وهذا دليل أن الله تعالى أمرنا في القرآن الكريم أن نعمل بالأحاديث النبوية ، وجعل الأحاديث أصلا ثانيا للتشريع الإسلامي بِمعنى العمل بالقرآن الكريم، لأن القرآن يذكره ويأمره . فمن لَم يعمل بالأحاديث الصحيحة فهو مُخالف بِما في القرآن العزيز . ومن ادّعى أنه إتبع القرآن ولَم يتبع الرسول صلى الله عليه وسلم فهو مردود، لأن الله تعالى يقول : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. [آل عمران : ٣١]. أي إن كنتم تُحبون الله بأنّكم عاملون بكتابه، وهو القرآن، فشرطه أن تكونوا متّبعين بِما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرآن وسنّته وشريعته جَمعيا، يُحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم .
- ٢ –
وكل ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم وحي أوحاه الله تعالى إليه، لأنه لا ينطق عن الْهوى، ولكن ليس كل وحي قرآنا، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحدث مع أصحابه وأزواجه وأهل بيته في كل يوم بل هو يتكلم مع أعدائه أحيانا، لو كان ذلك كله قرآنا لصار مصحف القرآن كبيرا جدا، أو أكثر من خَمسة عشر مُجلّدا . ولذلك يُفهم أن كل ما نطق رسول الله صلى الله عليه وسلم من كلام الله فهو قرآن ، وأما ما نطق من غير كلامه تعالى فهو حديث نبوي أو حديث قدسي، وكذا أفعاله صلى الله عليه وسلم كل يوم ، لأن القرآن لَم يذكر كلها .
وأما إختلاف العلماء والفقهاء من أهل السنة والْجماعة فلا يكون في الأصول، لأنّهم إتفقوا على أن القرآن أصل أول والْحديث أصل ثان للتشريع الإسلامي، ولذلك هم إتفقوا على أن ركن الإسلام خَمسة، وركن الإيْمان ستة، وأن الصلوات المفروضة على كل مسلم في كل يوم وليلة خَمس، وهي صلاة الظهر أربع ركعات، وصلاة العصر أربع ركعات، وصلاة المغرب ثلاث ركعات وصلاة العشاء أربع ركعات، وصلاة الصبح ركعتان . بيد أنّهم إختلفوا في بعض الفروع في بعض عبادات، واختلافهم رحْمة لا نقمة ولا فتنة . ولكن إذا اختلف المسلمون في الأصول فيكون مَحل النّزاع والتفرّق أكثر وأوسع، لأن كل مسلم يستحق أن يفسّر القرآن برأيه حتى يكون العالِم والْجاهل مستويين في استنباط الأحكام منه ، فهذا أكبر مصيبةً وبلاءًا وفتنةً في دين الإسلام وهذه الأمة .
وأما المراد بقوله تعالى : كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ، ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيْرٍ . [هود : ١] . بأن القرآن مُحكم ومفصل ، فإنه فرقت آياته وجعلت تفاصيل في معان مُختلفة ، فبعضها في وصف ذات الله تعالى وشرح صفات التنْزيه والتقديس وشرح كمال علمه وقدرته ورحْمته وحكمته وعجائب أحوال خلقه، السماوات والأرض والكواكب وتعاقب الليل والنهار، وعجائب أحوال النبات والْحيوان والإنسان ، وبعضها في أحوال التكاليف الْمتوجهة نَحو القلوب ونَحو الْجوارح، وبعضها في الوعد والوعيد والثواب والعقاب، درجات أهل الْجنة ودرجات أهل النار ، وبعضها في الْمواعظ والنصائح ، وبعضها في تَهذيب الأخلاق ورياضة النفس، وبعضها في قصص الأولين وتواريخ الْماضين ، وبالْجملة فمن أنصف علم، أنه ليس في يد الْخلق كتاب اجتمع فيه من العلوم الْمختلفة والْمباحث الْمتباينة مثل ما في القرآن . [التفسير الكبير ومفاتيح الغيب لفخر الدين الرازي، ( ١٣/٣٦٢)].
فتفصيل آيات القرآن إما بنفسه وإما ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم، لأن القرآن منه آيات مُحكمات، ومنه آيات متشابِهات، كقوله سبحانه وتعالى : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو اْلأَلْبَابِ [آل عمران : ٧]. فالْمحكم يَجب كونه مثبتا، والمراد بالمتشابه هنا الآيات من الكلم لا من الْحروف فهو مُجمل يُتلقّى بيانُها من الرسول صلى الله عليه وسلم، أو من إجْماع العلماء الراسخين في العلم، أو من القياس الذي ثبت بنصّ القرآن أو بالأحاديث الواردة الصحيحة . فلا يَجوز لأحد أن يفسر القرآن إلا ببيان من الرسول، لأنه أحق من أن يفسر القرآن.
ومثال الآيات الْمتشابِهات من الكلم : أمر بالصلاة، لأن معنَى الصلاة في كلام العرب الدعاء كما قال تعالى : وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ [التوبة : ١٠٣ ]. أي أدع الله لَهم، إن دعائك سكن لَهم . وقد تكون بِمعنَى الرحْمة والْمغفرة كما قال عز وجل : إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب : ٥٦ ] . أي صلاة الله على النبِي صلى الله عليه وسلم الرحْمة والْمغفرة . وقد تكون بِمعنى العبادة كما قال تعالى : وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً [الأنفال : ٣٥]. أي ما كان عبادتُهم ، لأن المشركين لَم يصلوا، لا عند بيت الله ولا عند غيره . وقد تكون بِمعنَى القراءة كما قال تعالى : وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً . [الإسراء : ١١٠]. أي لا تَجهر بقراءتك .
- ٣ –
والقرآن العزيز لم تذكر فيه صفة الصلاة المخصوصة وكيفيتها، فجاءت السنة النبوية لتُفصّل وتبيّن وتفرع وتشرح الصلوات المفروضة أو النافلة من تكبيرة الإحرام إلى التسليم مع القراءة فيها والتسبيح والقيام والركوع والسجود والتشهد وجُملة الركعة وغيرها. فمن اتّبع ما تشابه من الكتاب ولم يتّبع ما جاء من الرسول صلى الله عليه وسلم فهو من الذين في قلوبِهم زيع. وأما المراد بقوله تعالى : وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ [النحل : ٨٩] . فمحمول على الْمجملات ، لأن الله تعالى يقول في آية أخرى : وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النحل : ٤٤]. وفي هذه الآية تدل على أن الله عز وجل أرسل رسوله ليبيّن ما أجَمله القرآن للناس. وذلك لأن العلوم إما دينية وإما غيْر دينية، وأما علوم الدين فإما الأصول وإما الفروع، فأما علم الأصول فهو بتمامه موجود في القرآن، وأما علم الفروع فالأصل براءة الذمة إلاّ ما ورد على سبيل التفصيل في هذا القرآن ببيان رسول الله صلى الله عليه وسلم . وهو تفصيل الْمجمل في ظاهر الآيات، ولا يعلم الرسول بيانَ ذلك إلا بتعليم الله تعالى إيّاه بوحيه إليه، كما قال تعالى : وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى [النجم : ٣ – ٤].
وأما المراد بقوله تعالى : مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ . فالكتاب هنا هو أم الكتاب في اللوح الْمحفوظ، كما قال ابن جرير الطبري رحِمه الله تعالى في تفسيره : يقول تعالى ذكره لنبيه مُحمد صلى الله عليه وسلم : قل لِهؤلاء الْمعرضين عنك ، الْمكذبين بآيات الله : أيها القوم ، لا تَحسبنَّ الله غافلا عما تعملون، أو أنه غير مُجازيكم على ما تكسبون، وكيف يغفل عن أعمالكم ، أو يترك مُجازاتكم عليها، وهو غير غافل عن عمل شيء دبَّ على الأرض ، صغيرٍ أو كبيرٍ ، ولا عمل طائر طار بِجناحيه في الْهواء ، بل جعل ذلك كله أجناسًا مُجنَّسة وأصنافًا مصنفة ، تعرف كما تعرفون، وتتصرّف فيما سُخِّرت له كما تتصرفون، ومَحفوظ عليها ما عملت من عمل لَها وعليها، ومُثْبَت كل ذلك من أعمالِها في أم الكتاب، ثم إنه تعالى ذكره مُميتها ثم منشرها ومُجازيها يوم القيامة جزاءَ أعمالِها. يقول : فالرب الذي لم يضيِّع حفظَ أعمال البهائم والدوابّ في الأرض والطير في الْهواء حتى حفظ عليها حركاتِها وأفعالَها وأثبت ذلك منها في أم الكتاب، وحشرها ثم جازاها على ما سلف منها في دار البلاء، أحرى أن لا يُضيع أعمالكم ولا يُفَرِّط في حفظ أفعالكم التي تَجترحونَها ، أيها الناس ، حتى يَحشركم فيجازيكم على جَميعها، إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًّا، إذ كان قد خصكم من نعمه ، وبسط عليكم من فضله ، ما لَم يعمَّ به غيركم في الدنيا، وكنتم بشكره أحقَّ، وبِمعرفة واجبه عليكم أولى، لِما أعطاكم من العقل الذي به بين الأشياء تُميِّزون ، والفهم الذي لَم يعطه البهائم والطيرَ ، الذي به بين مصالِحكم ومضارِّكم تفرِّقون . (جامع البيان في تأويل القرآن، ٥/١٨٦).
واعلم رحِمك الله ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أوله نَهى عن كتابة الْحديث وتدوينه لِمن لَم يوثق الكتابة خوفا من اختلاط الْحديث النبوي بالقرآن الكريم . كما قال مسلم بن الْحجاج رحِمه الله تعالى : حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ اْلأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لاَ تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ، وَحَدِّثُوا عَنِّي وَلاَ حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ . {أخرجه مسلم (٣٠٠٤)}. وإنّما النهي عن كتابة الْحديث مع القرآن في صحيفة واحدة لئلا يَختلط فيشتبه على القارئ في صحيفة واحدة ، كما فعله اليهود والنصارى في كتبهم . وأما لِمن وثق الكتابة فقد أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتابة الْحديث لأمن ذلك من اللّبس والإختلاط بين القرآن العزيز والْحديث النبوي، كما قال أبو داود رحِمه الله تعالى : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالاَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ اْلأَخْنَسِ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُغِيثٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ أَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أُرِيدُ حِفْظَهُ فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ، وَقَالُوا : أَتَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ تَسْمَعُهُ؟ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَشَرٌ، يَتَكَلَّمُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا، فَأَمْسَكْتُ عَنِ الْكِتَابِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَوْمَأَ بِأُصْبُعِهِ إِلَى فِيهِ، فَقَالَ : أُكْتُبْ !، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلاَّ حَقٌّ . {أخرجه أبو داود (٣٦٤٦)}.
- ٤ –
وكما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال : لَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ قَامَ فِي النَّاسِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ وَإِنَّهَا لَنْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي، وَإِنَّهَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ، وَإِنَّهَا لَنْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ بَعْدِي ، فَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلاَ يُخْتَلَى شَوْكُهَا ، وَلاَ تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلاَّ لِمُنْشِدٍ ، وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إِمَّا أَنْ يُفْدَى وَإِمَّا أَنْ يُقْتَلَ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ : إِلاَّ اْلإِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي قُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِلاَّ اْلإِذْخِرَ، فَقَامَ أَبُو شَاهٍ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ ، فَقَالَ : أُكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أُكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ . {أخرجه البخاري (١١٢)، ومسلم (١٣٥٥)}.
وقد فهم كثير من الصحابة رضي الله عنهم هذا الإذن، فكتب بعضهم عن رسول صلى الله عليه وسلم شيئا كثيرا من أحاديثه في صحيفة مستقلّة، كصحيفة عليّ بن أبِي طالب رضي الله عنه، وهو مشهور. قال الإمام البخاري رحِمه الله تعالى : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلاَمٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُطَرِّفٍ ، عَنِ الشَّعْبِيّ ِ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ : قُلْتُ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ : هَلْ عِنْدَكُمْ كِتَابٌ ؟ قَالَ : لاَ، إِلاَّ كِتَابُ اللَّهِ، أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، أَوْ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، قَالَ قُلْتُ : فَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ ؟ قَالَ : الْعَقْلُ وَفَكَاكُ اْلأَسِيرِ وَلاَ يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِر. {أخرجه البخاري (١١١)}. والصحيفة الصادقة لعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، وذكر ابن الأثير أنّها تضمّ ألفَ حديث. وصحيفة جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه، وهي التي يقول فيها قتادة بن دِعامة السَّدوسي : إنّه يَحفظها ويعتنِي بِها أكثر من غيرها.
ثُمّ لَمّا انتشر الإسلام واتّسعت البلاد وشاع الإبتداع وتوفي كثير من الصحابة رضي الله عنهم، فأمر الْخليفة عمر بن عبد العزيز بعضَ العلماء من التابعين إلى تدوين الْحديث، كما قال الإمام البخاري رحِمه الله تعالى : حَدَّثَنَا الْعَلاَءُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ : كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رضي الله عنه إِلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ : أنْظُرْ مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَاكْتُبْهُ ، فَإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ الْعِلْمِ ، وَذَهَابَ الْعُلَمَاءِ ، وَلاَ تَقْبَلْ إِلاَّ حَدِيثَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلْتُفْشُوا الْعِلْمَ، وَلْتَجْلِسُوا حَتَّى يُعَلَّمَ مَنْ لاَ يَعْلَمُ ، فَإِنَّ الْعِلْمَ لاَ يَهْلِكُ حَتَّى يَكُونَ سِرًّا . {أخرجه البخاري في كتاب العلم في باب كيف يُقبض العلم}. والْخليفة عمر بن عبد العزيز هو عمر بن عبد العزيز بن مروان، ثامن الْخليفة الأموي في الشام، خامس الْخلفاء الراشدين، ولد بِحلوان قرية بِمصر سنة إحدى وستين، وأمّه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الْخطاب، توفي سنة إحدى ومائة . وأما أبو بكر بن حزم فهو أبو بكر بن مُحمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدنِي، قاضي المدينة وأميرها، توفي سنة عشرين ومائة .
واعلم، أن من أنكر حجية الْحديث النبوي للتشريع الإسلامي وادّعى أنّه يعمل بالقرآن فقط ولَم يَحتج إلى الْحديث النبوي أصلا، فهو باطل وضالّ مضلّ ، لأنه من حيث زعم الْحقّ وقع في الباطل، ودعواه الطاعةَ والإتّباعَ هي عين الإبتداع والْمعصية . قال الله عز وجل : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي اْلأَمْرِ مِنْكُمْ ، فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ اْلآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً [النساء : ٥٩]. أي إن اختلفتم في شيئ فردوه إلى كتاب الله وهو القرآن وإلى الرسول في مدة حياته، وأما بعد وفاته صلى الله عليه وسلم فردوه إلى سننه أو أحاديثه الصحيحة . وقال تعالى : وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ، وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا، وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الحشر : ٧] . وفي هذه الآية تدل على أن ما آتاهم الرسول هو الْحديث ، ولو كان بِمعنى القرآن لقال تعالى : ما آتاكم الله، ولا ما آتاكم الرسول كما أشاره في آية أخرى . والله الموفق إلى أقوم الطريق ولأن تدوين الْحديث وقع في زمان طويل بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا بد من أن يكون الإستقراء فيه ، لِمُيّز بين صحيح الروايات المقبولة وسقيمها المردودة ، وثقات الناقلين لَها من الْمتّهمين والكذابين ، لقوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ . وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ اْلأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ اْلإِيْمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ . [الحجرات : ٦ – ٧].
- ٥ –
فمن الروايات المقبولة القطعية حديث متواتر، وهو ما رواه عدد كثير في كل طبقة يَمتنع في العادة تواطؤهم على الكذب . وأن يكون عدده في كل طبقة لا ينقص عن عشرة رجال ، لأنّها أول جُموع الكثرة، وما دونه آحاد . وحكم المتواتر قطعي الثبوت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيفيد العلم واليقين . وعدد الأحاديث المتواترة بعد الإستقراء أكثر من ثلاثِمائة حديث، لفظيا ومعنويا . ومن بعض أمثلته الأحاديث في العمليات اليومية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كالصلوات الْخمس وعدد ركعاتِها وأوقاتِها، والطهارة والوضوء والغسل من الْجنابة والأذان والإقامة ، وكذا الأحاديث في إثبات أركان الأسلام خَمسة ، وأركان الإيْمان ستة ، والأحاديث في كيفية الصوم والزكاة والْحج والعمرة، والأحاديث في ثبوت الشفاعة والْحوض، وغير ذلك.
وأما الأحاديث التي لَم تجمع شروط التواتر فتسمى الآحاد، وهي ثلاثة أقسام : الْمشهور والعزيز والغريب . فالمشهور ما رواه الثلاثة فأكثر ولَم يصل درجة التواتر، ويسمى أيضا بالمستفيض . والعزيز ما رواه اثنان ولو كان في طبقة واحدة، ثم رواه بعد ذلك جَماعة . والغريب ما انفرد بروايته شخص واحد في أي موضع ، بِحيث لَم يروه غيره، أو إنفرد بزيادة في متنه أو إسناده.
وأكثر الأحاديث النبوية آحاد وتسمى خبر الواحد ، وهو ثلاثة أقسام : صحيح وحسن وضعيف.
القسم الأول : الصحيح هو ما اتّصل سنده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير شذوذ ولا علّة قادحة
وأصح الأسانيد عندنا : الإمام الشافعي عن الإمام مالك عن نافع عن ابن عمر ، وقيل : أصح الأسانيد : ابن شهاب الزهري عن سالِم بن عبد الله بن عمر الْخطاب عن أبيه ، وقيل : ابن شهاب الزهري عن علي بن الْحسين بن علي بن أبِي طالب عن أبيه ، وقيل : مُحمد بن سيرين عن عبيدة عن علي بن أبِي طالب، وقيل : الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود .
وأصح كتب الْحديث عند جَماهير العلماء : صحيح البخاري ثم صحيح مسلم، ثم كتب السنن الثلاثة وهي : سنن أبِي داود وسنن الترمذي وسنن النسائي الْمجتبَى، ثم سنن ابن ماجه .
وترتيب الأحاديث في استنباط الأحكام الشرعية بعد القرآن الكريم :
الأول : الأحاديث المتواترة، لأنّها صحيحة كلها
والثانِي : ما رواه الْجماعة ، أي أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحْمد والشافعي ومالك وغيرهم .
والثالث : الْمتفق عليه ، وهو صحيح أخرجه البخاري ومسلم جَميعا
والرابع : صحيح انفرد به البخاري ، أي عن مسلم
والْخامس : صحيح انفرد به مسلم، أي عن البخاري
والسادس : صحيح على شرط البخاري ومسلم ولَم يُخرجاه
والسابع : صحيح على شرط البخاري ولَم يُخرجه
والثامن : صحيح على شرط مسلم ولَم يُخرجه
والتاسع : صحيح عند غير البخاري ومسلم، وليس على شرطهما أو ليس على شرط أحد منهما . وتدخل فيه الأحاديث الصحيحة في كتب شتّى، كالموطأ للإمام مالك، ومسند الإمام الشافعي والأم له، ومسند أحْمد بن حنبل، مسند أبِي عوانة، ومسند أبِي يعلى، ومسند الطيالسي، ومسند عبد الله بن المبارك، ومسند إسحاق بن راهويه، وسنن الدارمي، وصحيح ابن خزيْمة، وصحيح ابن حبان، ومصنف ابن أبِي شيبة، ومصنف عبد الرزاق، والمستدرك للحاكم، وسنن الدارقطني، والسنن الكبرى للبيهقي، والْمعاجم الثلاثة وهي المعجم الصغير والمعجم الأوسط والمعجم الكبير للطبرانِي، والسنن الكبرى للنسائي وعمل اليوم والليلة له ولابن السنّي، وحلية الأولياء لأبِي نعيم، والأحاديث في كتب تفسير القرآن كتفسير الطبري وابن أبِي حاتم، وغير ذلك .
- ٦ –
القسم الثانِي : الْحسن هو ما اتصل سنده بنقل العدل الذي قل ضبطه عن درجة الصحيح من غير شذوذ ولا علة . وهو نوعان : حسن لذاته أو لنفسه ، وحسن لغيره بالشواهد من طرق أخرى . وكلاهُما مقبولان ، لأنّهما كالصحيح في الإحتجاج بِه، ويستعملهما عامة العلماء والفقهاء .
والقسم الثالث : الضعيف هو كل حديث لَم يَجتمع فيه صفات الْحديث الصحيح ولا صفات الْحديث الْحسن . وأسباب الضعيف في الْحديث من جهتين : إما من السند وإما من الْمتْن .
فالْحديث الضعيف من جهة السند إما لسقوطه وإما لضعف راويه من جهة عدله أو ضبطه . وللأحاديث الضعيفة لقب خاص، منها :
الْمعلق : هو ما سقط من أول سنده راو فأكثر .
والْمرسل : هو ما رفعه التابعي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير ذكر الواسطة من الصحابِي .
والْمنقطع : هو ما سقط من رواته واحد قبل الصحابِي في موضع أو سقط في موضعين اثنان لا حال كونِهما متواليين . وقيل : أن الْمنقطع ما لَم يتصل إسناده على أيّ وجه كان إنقطاعه .
والْمعضل : هو ما سقط من إسناده إثنان فأكثر، ويسمى أيضا منقطعا.
والْمدلَّس : هو الْحديث الذي دلّس فيه الراوي بوجه من وجوه التدليس . وهو قسمان : تدليس السند، وتدليس الشيوخ .
والْمضطرِب : هو الذي روي على أوجه تَختلف الروايات فيه، والْمستوية شروط قبولِها في القوة ، بِحيث تعارض من كل وجه من الوجوه .
والْمقلوب : هو الذي وقع في متنه أو سنده تقليب بتقديم أو تأخير .
والْمدرج : هو ما أدخل فيه راو أو زيادة لفظ مِمّا ليس منه .
والشاذ : هو ما رواه الْمقبول مُخالفا من كان أرجح منه .
والْمختلط : هو ما طرأ على الراوي بسوء الْحفظ لكبر في آخر عمره، أو لِمرض، أو لذهاب بصره، أو لتلف كتبه التي كان يعتمد عليها .
الْمجهول أو الْمبهم أو الْمستور : هو ما في متنه أو سنده راو لَم يسمّ سواء كان رجلا أو امرأة . مثل قول الراوي : حدثنا رجل أو امرأة ولَم يسميا
والْمنكر : ما رواه غير الثقة حال كونه مُخالفا للثقة .
والْمتروك : هو ما رواه راو واحد مُجمع على ضعفه لاتّهامه بالكذب، أو لتهمته بالفسق أو لغفلته أو لكثرة الوهم .
قال ابن الصلاح رحِمه الله تعالى في مقدمته : يَجوز عند أهل الْحديث وغيرهم التساهل في الأسانيد، ورواية ما سوى الموضوع من أنواع الأحاديث الضعيفة ، من غير الْحلال والْحرام ، وذلك كالْمواعظ والقصص وفضائل الأعمال وسائر فنون الترغيب والترهيب وسائر ما لا تعلق له بالأحكام والعقائد.
وأما الْحديث القدسي فهو الْحديث الإلَهي أو الْحديث الربّانِي من غير القرآن، وهو كل ما أخبر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالإلْهام أو رؤيا الْمنام أو غيرها من كيفية الوحي، فأخبر النبِي صلى الله عليه وسلم من ذلك الْمعنى بعبارات نفسه، فلا يكون معجزا ولا متواترا كالقرآن . ولذلك لَم يثبت له شيئ من أحكام القرآن : من حرمة حَمله ومسه على الْمحدث، وقراءته على الْجنب، ولكن ذلك مكروه عند جَماهير العلماء، وحصول الثواب لقارئه على كل حرف منه بعشر حسنات، وغير ذلك. قال العلماء : الأحاديث القدسية أكثر من مائة حديث، ثم لروايته صيغتان، الأولى : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى قال، أو قال الله تعالى فيما رواه عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. والثانية : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال الله تعالى، أو يقول الله تبارك وتعالى .
- ٧ –
وأما الأثر فنوعان ، أحدهُما : ما أضيف إلى الصحابِي من قول أو فعل، ويسمى الْحديث الْموقوف، مثل قول الصحابِي : كنا نقول كذا أو نفعل كذا، ولَم يضف إلى زمن النبِي صلى الله عليه وسلم . وثانيهما : ما أضيف إلى التابعي من قول أو فعل ، ويسمى الْحديث الْمقطوع . وكل منهما، أي من الْموقوف والْمقطوع إما صحيح وإما حسن وإما ضعيف .
وأشر الأحاديث الضعيفة الْحديث الْموضوع : وهو الْحديث الْمختلق الْمصنوع الْمنسوب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم زورا وبُهتانا ، سواء أكان ذلك عمدا أم خطأ ، بل الذي يُنسب إلى الصحابة أو التابعين . وتَحرم رواية الأحاديث الموضوعة إلى النبِي صلى الله عليه وسلم مع العلم به إلا مبينا ، سواء كان في الأحكام أو القصص أو الترغيب والترهيب أو فضائل الأعمال، لقوله صلى الله عليه وسلم : مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ .
والله الموفق إلى أقوم الطريق
معهد روضة المتعلمين
كالياندى – لمفونج الجنوبية
دوام معلم بن قنادي السرانجي الرمبانجي












